سليمان بن موسى الكلاعي
84
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر ، فبعث سبعين ألفا من الحبشة ، وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط ، ومعه في جنده أبرهة الأشرم ، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس ، فسار إليه ذو نواس في حمير ، ومن أطاعه من قبائل اليمن ، فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه ، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر ، ثم ضربه فدخل به ، فخاض به ضحضاح « 1 » البحر حتى أفضى به إلى غمره فأدخله فيه ، فكان آخر العهد به . ودخل أرياط اليمن ، فملكها « 2 » . فأقام بها سنين في سلطانه ذلك ، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي ، حتى تفرقت الحبشة عليهما ، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم ، ثم سار أحدهما إلى الآخر ، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط أنك لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا ، فابرز لي وأبرز لك ، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده . فأرسل إليه أرياط : أنصفت . فخرج إليه أبرهة ، وكان رجلا قصيرا لحيما ، وكان ذا دين في النصرانية ، وخرج إليه أرياط ، وكان رجلا عظيما جميلا طويلا ، وفى يده حربة له ، وخلف أبرهة غلام له يقال له عتودة يمنع ظهره ، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه « 3 » ، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة ، فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته ، فبذلك سمى أبرهة الأشرم . وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله . فانصرف جند أرياط إلى أبرهة ، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن ، وودى أبرهة أرياط . فلما بلغ ذلك النجاشي غضب غضبا شديدا وقال : عدا على أميري فقتله بغير أمرى ! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته . فحلق أبرهة رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي ، وكتب إليه : أيها الملك إنما كان أرياط عبدك ، وأنا عبدك ، اختلفنا في أمرك ، وكل طاعته لك ، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه وقد حلقت رأسي كله حين
--> ( 1 ) الضحضاح : هو الماء القليل يكون في الغدير ، وقيل : هو الماء اليسير ، وقيل : هو ما لا غرق فيه ولا له غمر ، وقيل : هو الماء إلى الكعبين إلى أنصاف السوق . انظر : اللسان ( مادة ، ضحح ) . ( 2 ) انظر : السيرة ( 1 / 49 - 50 ) . ( 3 ) يافوخه : أي وسط رأسه ويجمع على يآفيخ .